
مرّت ثلاث سنوات منذ أن بدأت إسرائيل حربها على غزة، ردّاً على الهجمات التي نفّذتها حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
خلّفت الحملة العسكرية الانتقامية الإسرائيلية الوحشية على غزة، على مدى ثلاث سنوات، آثاراً مدمّرة. فبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفعت حصيلة القتلى منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 74,228 شخصاً، فيما تجاوز عدد المصابين 175,000 شخص. ولا تشمل الحصيلة الرسمية المفقودين؛ إذ تشير تقديرات مختلفة إلى أن ما بين 8,000 و12,000 شخص يُعتقد أنهم لا يزالون مدفونين تحت أطنان الأنقاض والركام التي خلّفها القصف الإسرائيلي المتواصل.
بعد ثلاث سنوات من السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصبح نحو 90% من سكان قطاع غزة نازحين. وقد تعرّضت الغالبية العظمى منهم للنزوح القسري مراراً، بسبب استمرار الضربات العسكرية الإسرائيلية وتغيّر أوامر الإخلاء. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 60% من سكان القطاع فقدوا منازلهم بالكامل. كما دمّرت الضربات الإسرائيلية معظم البنية التحتية في غزة، بما فيها المنازل والمدارس والجامعات وشبكات الطرق والمباني التجارية والأراضي الزراعية.
وقد طال هذا الدمار النساء الفلسطينيات بأشكال متعددة. فقد شكّلن نسبة كبيرة من القتلى والمصابين، واضطررن إلى مواجهة النزوح المتكرر، وانهيار النظام الصحي، وتدمير مدارس أطفالهن، ومحاولات إطعام أسرهن في ظل مجاعة متعمّدة، إلى جانب أشكال لا تُحصى من الأذى والمعاناة.
وتستمر هذه المعاناة بعد ثلاث سنوات، حتى مع تحوّل اهتمام وسائل الإعلام، ولا سيما بعد ما سُمّي بوقف إطلاق النار، إلى أزمات وحروب أخرى حول العالم.
«وقف إطلاق نار» بالاسم فقط
في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيّز التنفيذ. ونصّ الاتفاق على مراحل متعددة تشمل انسحاب القوات، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتبادل الأسرى والمحتجزين، وكان يُفترض أن يضع حدّاً للأعمال العدائية.
لكن، بعد نحو عام على الاتفاق، لا يزال الفلسطينيون يعانون من العنف المستمر، والقيود المفروضة على المساعدات الإنسانية، والظروف المعيشية القاسية. وباستثناء عملية التبادل الأولى بين الطرفين، لم تُنفَّذ المراحل اللاحقة من الاتفاق.
ولم تنسحب إسرائيل من قطاع غزة، بل باتت تحتل نحو 70% من مساحته، بعدما وسّعت نطاق سيطرتها تدريجياً منذ إبرام الاتفاق. وكان «الخط الأصفر»، الذي رسم حدود تقسيم القطاع، قد منح الجيش الإسرائيلي السيطرة على 53% من مساحته، فيما حُشر الفلسطينيون في النسبة المتبقية، البالغة 47%. ومنذ ذلك الحين، توغّلت إسرائيل أكثر واستولت على مساحات إضافية، كما قتلت عشرات الفلسطينيين بسبب وجودهم بالقرب من خط الفصل، مع وجود خلاف حول الأعداد الدقيقة.
وفي المناطق التي يحتلها، هدم الجيش الإسرائيلي جميع المنشآت، وتشير تقارير إلى قيامه بتسوية الأرض وضغطها وإزالة الركام، بما يؤدي عملياً إلى طمس الأدلة على جرائم الحرب. وقد حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية عديدة من أن استمرار توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية يزيد المخاطر التي يواجهها المدنيون ويضيّق مجال العمل الإنساني.
ورغم تراجع حدّة الضربات العسكرية الإسرائيلية على غزة منذ الاتفاق، فإنها لم تتوقف. وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 1,400 فلسطيني وأصابت أكثر من 5,000 شخص منذ بدء «وقف إطلاق النار».
كما أن الاتفاق، وإن أدّى إلى زيادة مؤقتة في حجم السلع التجارية والمساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة، لم يضمن وصول الكميات المنصوص عليها أو اللازمة لتلبية احتياجات السكان الملحّة. فقد واصلت إسرائيل تقييد المساعدات، وأبقت على نظام تعسّفي وغير شفاف ومسيّس لتنظيم وصولها إلى القطاع. وعلى سبيل المثال، أعادت إسرائيل إغلاق معابر غزة لفترة عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية شباط/فبراير 2026.
صراع من أجل البقاء في ظروف قاسية
بعد ثلاث سنوات من السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا تزال الظروف المعيشية للفلسطينيين في قطاع غزة بالغة القسوة. ولطالما وُصف القطاع بأنه «سجن مفتوح» بسبب الحصار البري والجوي والبحري المشدّد المفروض عليه. واليوم، ومع إعادة إسرائيل احتلال معظم أراضيه، بات الفلسطينيون محصورين في مساحة أصغر، ويعيش معظمهم في مخيمات مؤقتة شديدة الاكتظاظ، وسط مخاطر بيئية وصحية ونقص حاد في المياه النظيفة والرعاية الطبية والغذاء الكافي.
لقد ترك تدمير إسرائيل لمعظم المباني السكنية في القطاع الفلسطينيين بلا مأوى، فيما يعرقل منع إدخال مواد البناء أي جهود لإعادة الإعمار. واضطرت بعض الأسر إلى الاحتماء بالمباني التي لا تزال قائمة، مع ما ينطوي عليه ذلك من عواقب مأساوية. فمؤخراً، انهار مبنى كان يؤوي مئة أسرة نازحة، ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً. وكان المبنى قد تعرّض سابقاً لضربات إسرائيلية أضعفت هيكله وجعلته عرضة للانهيار.
ورغم نقص المعدات اللازمة، يواصل الفلسطينيون البحث بين أنقاض المباني المدمّرة عن رفات أحبائهم، وقد أقاموا جنازات جماعية لمن تمكّنوا من انتشال جثامينهم.
وباتت الحياة اليومية صراعاً من أجل البقاء، في ظل الارتفاع الهائل للأسعار، وندرة السلع، واستمرار القيود على المساعدات. وبحسب منظمات الإغاثة، لا يزال سكان غزة في حاجة ماسّة إلى الضروريات الأساسية، بما فيها الغذاء والدواء والمأوى.
الثمن الباهظ الذي تدفعه النساء
كما يحدث في الحروب ومع تصاعد النزعة العسكرية، تحمّلت النساء الفلسطينيات آثار هذه الأزمة الإنسانية بحجم وحدّة غير مسبوقين. فقد أدّى القصف المكثّف، ولا سيما خلال الأشهر الأولى من الحصار العسكري الإسرائيلي على غزة، إلى سقوط أعداد من النساء والفتيات لم تشهدها الحروب السابقة على القطاع. وتقدّر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أكثر من 38,000 امرأة وفتاة قُتلن في غزة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكانون الأول/ديسمبر 2025، أي بمعدّل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يومياً. كما تعيش عشرات الآلاف من النساء والفتيات مع إصابات شديدة تحدّ من قدرتهن على ممارسة حياتهن اليومية.
وقد فرض النزوح المتكرر تحديات خاصة على النساء، ولا سيما الأرامل والنساء المعيلات لأسرهن، اللواتي يتحمّلن مسؤولية تأمين سلامة أسرهن مع كل أمر إخلاء جديد. وتواجه النساء الحوامل، والنساء المسنّات، والنساء ذوات الإعاقة مخاطر إضافية.
وأدّت الهجمات الإسرائيلية المنهجية على المنشآت الصحية والمستشفيات، بما فيها أقسام الولادة، إلى انهيار خدمات الصحة الإنجابية، ما أثّر على عشرات الآلاف من الحوامل. فقد ترك تدمير المستشفيات ونقص المستلزمات الطبية النساء دون رعاية كافية أثناء الحمل والولادة، واضطرت كثيرات منهن إلى الولادة في ظروف غير آمنة وغير صحية، ومن دون مساعدة طبية. كما أدّى ارتفاع معدلات سوء التغذية بين النساء إلى زيادة حالات الإجهاض وولادة أطفال بأوزان منخفضة بصورة خطيرة. وأعاق النقص الحاد في المياه النظيفة ومستلزمات النظافة الصحية قدرة النساء والفتيات على العناية بصحتهن خلال الدورة الشهرية، ما ساهم في ارتفاع معدلات الأمراض الجلدية والعدوى.
وعانت النساء في غزة من مستويات هائلة من الحزن والقلق، سواء بسبب فقدان أفراد أسرهن، أو مشاهدة معاناة أطفالهن، بما في ذلك خضوعهم لعمليات بتر دون تخدير، أو العجز عن إطعامهم وسط انعدام الأمان وندرة الموارد. ويصعب استيعاب عمق الصدمات النفسية التي تحمّلتها النساء في غزة على مدى السنوات الثلاث الماضية.
ولم يؤدِّ ما سُمّي بوقف إطلاق النار بالضرورة إلى تخفيف هذه المعاناة. فالظروف المكتظة وغير الصحية التي يعشن فيها تزيد تعرّضهن للأذى والعنف. ويوثّق تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان ارتفاع العنف القائم على النوع الاجتماعي في غزة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، مشيراً بصورة خاصة إلى زيادة الزواج المبكر، في ظل محاولات الأسر البقاء وسط الجوع والفقر وانعدام الدخل وإغلاق المدارس.
أزمة الإفلات من العقاب
رغم التقارير التي لا تُحصى تقريباً الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات المحلية والدولية، ورغم شهادات الفلسطينيين أنفسهم عن الفظائع التي ترتكبها إسرائيل، فإنها لم تواجه مساءلة فعلية عن أفعالها.
فخلال الأسابيع الأولى من الهجوم العسكري، بدأ باحثون في القانون ومؤرخون متخصصون في الإبادة الجماعية يدقّون ناقوس الخطر بشأن الضرر الجسيم وغير المتناسب الذي تلحقه إسرائيل بالفلسطينيين، واصفين حربها على غزة بأنها «إبادة جماعية».
وفي نهاية كانون الأول/ديسمبر 2023، أقامت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، على أساس أن سلوكها العسكري في غزة ينتهك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948. وفي 26 كانون الثاني/يناير 2024، أصدرت المحكمة أولى تدابيرها المؤقتة، وأقرّت بمعقولية بعض الحقوق التي طلبت جنوب أفريقيا حمايتها، ومنها حق الفلسطينيين في غزة في الحماية من أفعال الإبادة الجماعية. وأمرت إسرائيل باتخاذ جميع التدابير التي في وسعها لمنع هذه الأفعال، وضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية بصورة فورية.
لكن إسرائيل لم تمتثل لهذه الأوامر، وواصلت عملياتها العسكرية. وفي آب/أغسطس 2026، قدّمت جنوب أفريقيا أدلة إلى المحكمة بشأن عدم امتثال إسرائيل. ومن المتوقع أن تستغرق الإجراءات القضائية عدة سنوات حتى تكتمل.
وتحرص الدولة الإسرائيلية على تصوير جيشها باعتباره جيشاً «أخلاقياً»، وتدّعي اتخاذ تدابير للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين. كما تقول إنها تحقق في بعض الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما فيها مقتل الطفلة هند رجب في 29 كانون الثاني/يناير 2024، ومقتل خمسة عشر مسعفاً فلسطينياً في آذار/مارس 2025، عُثر على جثامينهم في مقبرة جماعية مع مركبات محطّمة، والقصف المزدوج المتتابع على مستشفى ناصر في خان يونس في 25 آب/أغسطس 2025، الذي أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم خمسة صحفيين. ولا تزال هذه التحقيقات مستمرة، لكن لا توجد مؤشرات كافية تدعو إلى الاعتقاد بأنها ستؤدي إلى مساءلة فعلية عن هذه الجرائم.
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب، تشمل استخدام التجويع أسلوباً من أساليب الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والاضطهاد والأفعال اللاإنسانية. ورغم ذلك، سافر رئيس الوزراء الإسرائيلي بحرية إلى الولايات المتحدة وألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما تواصل إسرائيل تلقّي المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة ودول في الاتحاد الأوروبي.
وقد منعت إسرائيل دخول الصحافة الأجنبية إلى غزة، رغم طلبات السماح لها بالدخول. ولذلك، تولّى الصحفيون الفلسطينيون بصورة أساسية توثيق أحداث السنوات الثلاث الماضية ونقلها، رغم المخاطر الهائلة التي يواجهونها، والتي تتجسّد في الأعداد الصادمة لمن قُتلوا منهم. وبحسب لجنة حماية الصحفيين، قُتل ما لا يقل عن 189 صحفياً فلسطينياً في غزة. وتؤكد اللجنة أن إسرائيل قتلت من الصحفيين والعاملين في الإعلام أكثر من أي حكومة أخرى منذ بدء جمع بياناتها عام 1992.
ويكشف استهداف الصحفيين عن محاولات متعمّدة لإسكات من يوثّقون هذه الأحداث. ومع ذلك، يواصل الفلسطينيون نقلها، بينما تبقى إسرائيل بمنأى عن المحاسبة.
لقد شجّع غياب المساءلة عن جرائم الحرب في غزة إسرائيل على توسيع عملياتها العسكرية إلى أماكن أخرى. فقد تصاعد العنف والاعتقالات والمداهمات في الضفة الغربية. كما أدّت حملتها العسكرية في لبنان خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي تقول إنها تأتي ردّاً على أعمال حزب الله، إلى احتلال مناطق في جنوب لبنان، وتدمير بلدات وقرى عديدة، ونزوح مئات الآلاف من اللبنانيين. كذلك، استولت الحكومة الإسرائيلية على أراضٍ إضافية في سوريا. وفي 28 شباط/فبراير 2026، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات عسكرية منسّقة على إيران.
التوصيات
كما أكّدت فيمينا مراراً في تقاريرها وبياناتها بشأن الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن استمرار الانتهاكات لن يؤدّي إلا إلى مزيد من العنف، ما لم تُعالَج أسبابه الجذرية. ولن يكون تحقيق مستقبل سلمي للفلسطينيين والإسرائيليين ممكناً من دون إنهاء المظالم التي يعاني منها الفلسطينيون نتيجة عقود من الاحتلال العسكري. وعليه، تدعو فيمينا إلى ما يلي:
- على جميع الأطراف الالتزام ببنود وقف إطلاق النار، مع ضرورة وجود آليات واضحة لإنفاذه ورقابة من طرف ثالث لضمان المساءلة.
- يجب توفير حضور دولي محايد للرصد، لتوثيق وقائع الانتهاكات وتقديم تقارير واضحة وشفافة.
- على جميع الأطراف اتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامة السكان المدنيين وحمايتهم، والالتزام الصارم بمبادئ القانون الدولي الإنساني.
- يجب أن تتولى هيئات مستقلة التحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، مع وجوب مساءلة المسؤولين عنها، بغض النظر عن انتماءاتهم، من خلال إجراءات قانونية موثوقة.
- يجب دعم المنظمات النسائية والمدافعات عن حقوق الإنسان لتوثيق العنف الذي تتعرّض له النساء الفلسطينيات والتصدّي له، ولا سيما العنف الجنسي الناجم عن النزاع والنزوح.
- على إسرائيل ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين في غزة، ولا سيما المستلزمات الطبية والأغذية وغيرها من المواد الأساسية التي هم في أمسّ الحاجة إليها.
- على منظمات الإغاثة والجهات المانحة تلبية احتياجات الفئات الأكثر عرضة للخطر والتهميش — الأرامل والأيتام والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن والأطفال، من خلال برامج خاصة، تشمل الدعم المالي.
- وفقاً للقانون الدولي، فإن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية غير قانوني. وعلى الجيش الإسرائيلي الانسحاب من الأراضي التي أعاد احتلالها في قطاع غزة، وكذلك من جميع الأراضي التي احتلها.
- يجب تجديد الجهود الدبلوماسية من جانب الأطراف الدولية والإقليمية للتوصّل إلى حل سياسي عادل ومستدام يضمن مشاركة الفلسطينيين.
