
يصادف شهر تموز/يوليو 2026 مرور عام على المجازر التي اجتاحت محافظة السويداء في جنوب سوريا، والتي تُعد من أخطر موجات العنف التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة. فما بدأ في تموز/يوليو 2025 على شكل مواجهات مسلحة، سرعان ما تصاعد إلى هجمات واسعة النطاق استهدفت المدنيين، وشملت، وفقا للتقارير، عمليات إعدام ميداني، وهجمات ذات طابع طائفي، وحالات إخفاء قسري، واختطاف، وتعذيب، وعنف جنسي وعنف قائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك حالات اغتصاب مُبلغ عنها، إلى جانب استهداف المرافق الطبية، والتدمير والنهب واسع النطاق للممتلكات المدنية، وغيرها من الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
ووفقاً لتوثيقات سورية ودولية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 1,700 شخص خلال أعمال العنف، غالبيتهم من المدنيين المنتمين إلى الطائفة الدرزية، إلى جانب أفراد من المجتمع البدوي، إضافة إلى ما لا يقل عن 225 عنصراً من القوات الحكومية. وشمل المدنيون المستهدفون النساء والأطفال وكبار السن والعاملين في القطاع الطبي والعاملين في المجال الإنساني. كما أُفيد بتنفيذ مئات عمليات الإعدام الميداني بحق مدنيين، فيما تعرضت عائلات بأكملها لهجمات استهدفتها على أساس هويتها. كذلك اختُطفت أكثر من 80 امرأة وفتاة، أُفرج لاحقاً عن عدد منهن، فيما تأكد مقتل بعضهن، بينما لا تزال أخريات في عداد المختفيات قسراً بعد مرور عام. ولا تزال الناجيات من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي يعانين من آثار نفسية وجسدية عميقة، ومن الوصمة الاجتماعية، ومن محدودية الوصول إلى خدمات الدعم والعدالة التي تراعي احتياجات الناجيات. كما تواصل العائلات البحث عن أقاربها المفقودين دون الحصول على إجابات، بينما لا يزال مصير وأماكن وجود العديد من المختفين مجهولاً.
وقد تسببت أعمال العنف في واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدها جنوب سوريا خلال السنوات الأخيرة، حيث نزح ما يقارب 200 ألف شخص من منازلهم. وفي الوقت نفسه، تعرض ما لا يقل عن 35 قرية وعدد كبير من الأحياء السكنية لعمليات تدمير ونهب وإحراق واسعة النطاق، فيما وثقت الأمم المتحدة دماراً واسعاً في عدد من القرى المتضررة. ولا تزال آلاف العائلات غير قادرة على العودة بأمان إلى مناطقها بسبب استمرار انعدام الأمن، وتدمير المنازل والبنية التحتية، وغياب الضمانات المتعلقة بالحماية والعدالة والمساءلة.
وبعد مرور عام، لا تزال الآثار الإنسانية لهذه الأحداث عميقة. فما زالت النساء يتحملن العبء الأكبر في رعاية الأسر النازحة، ودعم الناجين والناجيات، والبحث عن المختفين قسراً، في الوقت الذي يواجهن فيه صدمات نفسية عميقة وانعداماً مستمراً للأمن. كما كان للعنف أثر بالغ على التعليم، إذ أدت الاضطرابات التي طالت العملية التعليمية والانقطاعات المتكررة في امتحانات الشهادة الثانوية العامة إلى التأثير بشكل كبير على قدرة الطلبة على إكمال تعليمهم في ظروف طبيعية. كما فرضت حالة عدم اليقين بشأن الوصول إلى التعليم العالي ضغوطاً إضافية على كثير من الشباب، ولا سيما أولئك الذين تأثروا بالنزوح وانعدام الأمن. ولا تهدد هذه الاضطرابات المستمرة الطموحات الفردية فحسب، بل تعرقل أيضاً التعافي الاجتماعي والاقتصادي طويل الأمد لمحافظة السويداء.
ورغم حجم الفظائع الموثقة وإنشاء آليات وطنية للتحقيق، لا يزال الناجون والناجيات يواجهون ثغرات كبيرة في مسارات المساءلة المستقلة والنزيهة والفعالة. فبينما باشرت السلطات الانتقالية تحقيقات وإجراءات قضائية، لا تزال هناك تساؤلات جدية بشأن نطاق هذه الجهود واستقلاليتها وفعاليتها، وما إذا كانت ستتناول جميع الانتهاكات التي ارتُكبت خلال أعمال العنف، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، والاختطاف، والتعذيب، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والهجمات على المدنيين، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة. وقد ساهم استمرار الغموض المحيط بمسارات المساءلة في ترسيخ مناخ من الإفلات من العقاب، بما يطيل معاناة الضحايا والناجين والناجيات وأسرهم.
وفي الذكرى السنوية الأولى لمجازر السويداء، تسلط هذه الإفادة الضوء على أصوات المدافعات عن حقوق الإنسان، والناجين والناجيات، وأسر الضحايا الذين يواصلون توثيق الانتهاكات رغم المخاطر الشخصية الجسيمة التي يواجهونها. وتؤكد شهاداتهن أن إحياء الذكرى من دون مساءلة لا يمكن أن يحقق العدالة، وأن الفشل في التصدي لهذه الانتهاكات من شأنه أن يكرس ثقافة الإفلات من العقاب. وبعد عام على المجازر، ما زالت مطالبهم واضحة: يجب كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وتوفير دعم حقيقي للناجين والناجيات، وضمان حماية حقوق وكرامة أبناء وبنات السويداء.
