
بعد أشهر من الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في أبريل/نيسان 2026، بدأت آلاف الأسر النازحة بالعودة إلى بلداتها وقراها في جنوب لبنان. بالنسبة للكثيرين، لم تكن رحلة العودة مجرد انتقالٍ إلى المكان الذي غادروه، بل حملت معها أملاً بإعادة بناء المنازل، واستعادة سبل العيش، ولمّ شمل المجتمعات المحلية، واسترجاع شعور بالحياة الطبيعية بعد أشهر من النزوح، وعدم اليقين، والخسائر.
إلا أن واقع العودة بالنسبة لكثير من النساء كشف عن صورة تختلف كثيرًا عن الوعود التي حملها السلام. فعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار أتاح الظروف لعودة العديد من الأسر، لا تزال المنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة تحذر من هشاشة الوضع الأمني. كما أن التقارير التي تتحدث عن استمرار الأنشطة العسكرية، وتحليق الطائرات المسيّرة، والغارات الجوية المتقطعة، وتبادل إطلاق النار، وغيرها من الحوادث الأمنية، تؤكد استمرار المخاطر التي يواجهها المدنيون وهم يحاولون إعادة بناء حياتهم.
في مختلف أنحاء جنوب لبنان، لا تزال أحياءٌ بأكملها مدمّرة نتيجة الدمار واسع النطاق. فقد تعرضت المنازل، والمدارس، والمرافق الصحية، والأراضي الزراعية، والطرق، وشبكات الكهرباء، والبنية التحتية للمياه، وغيرها من الخدمات الأساسية، لأضرار جسيمة. كما يواصل وجود الذخائر غير المنفجرة، وتضرر البنية التحتية، ومحدودية الخدمات العامة، إعاقة جهود التعافي والحد من التنقل الآمن في العديد من المجتمعات المتضررة. وبينما عاد مئات الآلاف من النازحين داخليًا إلى مناطقهم، وجد كثير منهم منازلهم متضررة أو مدمرة أو غير صالحة للسكن، مما اضطر الأسر إلى البدء بإعادة الإعمار في ظل موارد محدودة ودعم غير كافٍ.
أما بالنسبة للنساء والفتيات، فلم تمثل العودة نهاية للأزمة الإنسانية، بل شكلت بداية مرحلة جديدة شديدة الصعوبة. فبصفتهن القائمات الرئيسيات على الرعاية، وفي كثير من الحالات ربّات أسر، تواصل النساء تحمل مسؤولية رعاية الأطفال، وكبار السن، وأفراد الأسرة من ذوي الإعاقة، بالتوازي مع محاولاتهن إعادة تأهيل المنازل، واستعادة مصادر الدخل، وإحياء الحياة المجتمعية. وتواجه الأسر التي تعيلها النساء، والأرامل، والمطلقات، والنساء المسنات، والنساء المقيمات في المناطق الريفية، تحديات إضافية في الحصول على مساعدات إعادة الإعمار، وفرص العمل، والرعاية الصحية، والدعم المالي. كما تعرضت المشاريع التي تقودها النساء، وسبل العيش الزراعية، والاقتصادات المحلية، لاضطرابات كبيرة، الأمر الذي زاد من حدة انعدام الأمن الاقتصادي خلال مرحلة التعافي.
إلى جانب الدمار المادي الظاهر، خلّفت الحرب إرثًا نفسيًا عميقًا. ولا تزال المنظمات الإنسانية توثق الاحتياجات الكبيرة في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي بين السكان المتأثرين بالنزاع، ولا سيما النساء والأطفال والشباب. وبالنسبة لكثير من النساء، لم تؤدِّ العودة إلى المنزل إلى استعادة الشعور بالأمان. فما زالت أصوات الطائرات، والانفجارات، أو حتى الأصوات غير المألوفة، تثير الخوف والقلق، بينما تركت موجات النزوح المتكررة، وفقدان الأحبة، وعدم اليقين بشأن احتمال تجدد العنف، كثيرات يعشن في حالة دائمة من الترقب والحذر. ولا يزال العبء النفسي للحرب حاضرًا بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، حتى بعد عودة الأسر إلى قراها.
وفي الوقت نفسه، بقيت النساء في طليعة جهود الصمود المجتمعي طوال فترة النزاع وفي أعقابه. فقد أدت المدافعات عن حقوق الإنسان، والصحفيات، والعاملات في القطاع الصحي، والمتطوعات، والمنظمات التي تقودها النساء، دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات، ودعم الأسر النازحة، وتنسيق المساعدات الإنسانية، والمساهمة في الحفاظ على تماسك مجتمعاتهن، رغم تعرضهن هنّ أيضًا للعنف والنزوح والفقدان. ومع ذلك، لا تزال كثيرات يبلغن عن وجود فجوات كبيرة في مجالات الحماية، والرعاية النفسية والاجتماعية، ومساعدات إعادة الإعمار، وجهود التعافي المستجيبة لاحتياجات النساء والفتيات.
تركز هذه الإفادة الثالثة على أصوات النساء اللبنانيات اللواتي عدن إلى جنوب لبنان بعد فترة طويلة من النزوح. وتكشف شهاداتهن أن العودة الجسدية لا تعني بالضرورة التعافي. بل تصف النساء حياةً معلقة بين الأمل والخوف، وبين إعادة البناء وتكرار الخسارة، وبين الصمود والإنهاك. وتوضح تجاربهن مجتمعة أن آثار الحرب تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من توقف الأعمال العدائية واسعة النطاق. فبالنسبة إلى كثير من النساء، أصبحت العودة إلى الوطن مرحلة جديدة من الأزمة الإنسانية، تتطلب إعادة بناء لا تقتصر على المنازل والبنية التحتية، بل تشمل أيضًا استعادة سبل العيش، وإعادة بناء الثقة، ومعالجة الآثار النفسية للحرب، وضمان الأمن الدائم، والكرامة، والعدالة.
